التركة الصعبة: لماذا لم نعد نضحك يا علاء؟ -بقلم سامية جاهين

0 157
بقلم سامية جاهين

«لماذا نخاف الاعتراف بالضعف؟ بأننا بشر تفرمنا المدرعات وتخيفنا وتوحشنا السجون ويشوه الرصاص أفكارنا وأحلامنا، بشر يتكبدون الهزائم وتخذلهم أجسادهم وتضعفهم نفوسهم الأمّارة بالسوء، تحرقهم أحلامهم وتشلّهم كوابيسهم.. بشر يبحثون عمن يساعدهم على اليأس بالحب!!».

من نص «جرافيتي لشخصين» اللي كتبه علاء عبدالفتاح من محبسه مع أحمد دومة في يناير 2014

عارف يا علاء؟ الناس بتسألني: «هو علاء لسه محبوس؟ في قضية إيه؟ طيب قضّى قد إيه من المدة؟ طيب يعني فيه أمل يخرج قريب؟».

وأنا، ما أكدبش عليك، بقيت أتلخبط وأعْطل وما أعرفش أرد، أو يمكن باطرد التفاصيل من دماغي ومش عايزة أركز فيها.

مش عايزة أقعد أحسبها وأعرف إنت بقالك قد إيه مسجون ولسا لك قد إيه، وممكن يتحكم عليك بإيه في القضايا الجديدة اللي ملفقينها لك، مش عايزة أواجه نفسي بحقيقة إنك بقالك «سنين» معزول عننا تمامًا، لا بنقدر نتواصل بجوابات ولا حتى بيسمحوا لك بدخول كتب ومجلات ومقالات.

من أسبوع علاء ابني، اللي اتولد وانت في الحبس، دخل الحضانة، وفجأة أدركت إنه بقى عنده سنتين وخمس شهور وإنت لسا ما شفتهوش، وبعدين قلت لنفسي: إيه الأنانية دي؟ إذا كان إبنَك خالد نفسه اللي قضاه من عمره معاك أقل من اللي قضاه من غيرك، ويا عالم حترجع لحضنه إمتى؟ وافتكرت اللي كتبته مرة منى سيف: «غيابهم ما يتحسبش بالأيام، غيابهم يتحسب باللحظات. فيه لحظة لو راحت ما ترجعش ولا تتعوض بسنين لقا وأحضان (..) ما تحسبوش غيابهم بالأيام. احسبوه باللحظات. وفيه لحظات بيروح فيها عمر.»

في 2014، لما كنا لسه بنقدر نتواصل بالجوابات ونبعتلك كتب، بعتلك قصيدة، بابا كتبها لرفاقه لما كانوا في سجن الواحات، اسمها «غنوة برمهات»، قصيدة بيعبّر فيها عن ألمه وعجزه وحبه واشتياقه ليهم وكرهه لظُلمهم. «ملعون في كل كتاب يا داء السكوت.. ملعون في كل كتاب يا داء الخرس».

حكيت لي ساعتها إنك ألقيت القصيدة على زمايلك في «إذاعة العنبر» لما كنتم بتكلموا بعض من شرّاعات الزنازين المتجاورة.

على قد ما اتأثرت وحسيت بـ«رومانسية» الموقف، حزنت وتألمت إن أنا وانت -الأبناء- بنمر بنفس اللي أهالينا مروا بيه.

بعدها بفترة قلت لي في جواب:
«أنا معلق صورة خالد وفطومة وهما حاضنين بعض على حيطة الزنزانة، ربنا يحميهم ويقدّرهم على التركة الصعبة… باباكي وحشني، مش حتقترحي عليّا قصيدة جديدة؟».

إنت وحشتنا جدًا يا علاء…
وحشتنا مقالاتك وكتاباتك على السوشيال ميديا، وحشتنا قدرتك على المهاتية والمناقشة مع الناس، وحشني حتى الاختلاف والجدال معاك.

وحشتني سخريتك اللاذعة ودفاعك باستماتة عن «الحق في الضحك»:
«الحق في الضحك هو الحق الوحيد اللي عمر دولتهم ما عرفت تسلبه مننا، السخرية من السلطة وألاضيشها سلاح المقاومة اللي عمرنا ما اتخلينا عنه. بدائل باهتة يمكن للحق في السعادة اللي محرومين منه تمامًا، لكن تستحق أن ندافع عنها. »

بنحاول والله يا علاء ندافع عن حقنا في الضحك، مع إن وحياتك ما بقى فيه حاجة تضحّك خالص!

بنحاول كمان نمشي على دربك ونفضل نشاور على الظلم ونفضح الظالم ونطالب بحقوقنا.

بنعترف بهزائمنا ونحاول نفرح بانتصاراتنا الصغيرة ونراجع نفسنا عند كل مفرق.

سقف طموحنا صحيح عمّال يوطى لغاية ما قرب يطبق على نفسنا، لكن «لسّا جوه القلب أمل».

بقلم سامية جاهين

Comments

comments

يمكنك ايضاً قراءة المزيد لنفس الكاتب

Comments

تحميل...