الشرقية بوست ينشر مقال الكاتبة بسمة عبدالعزيز الممنوع من النشر.. “أفران العصر”

0 1٬285
بسمة عبدالعزيز

 

ينشر موقع الشرقية بوست مقال الكاتبة الصحفية “بسمة عبدالعزيز” الأخير “أفران العصر” والذي رفضت إدارة جريدة الشروق اليومية نشره السبت.

وكانت بسمة عبدالعزيز قد وجهت عتابا لإدارة صفحة الرأي في جريدة الشروق عبر حسابها الشخصي علي موقع التواصل الإجتماعي “فيسبوك” وقالت:
“لي عتاب على الزملاء في صفحة الرأي بجريدة الشروق والمسئولين عن التحرير، فقد مُنِعَت مقالتي من النشر اليوم وهذا أمر مفهوم وقد أبلغت بالمنع، لكنهم كذلك امتنعوا عن كتابة اعتذار بأي صيغة.”

وإليكم نصر المقال:

أفران العصر

في أوائل الأربعينيات من القرن العشرين، انطلق هتلر يقيم المحارق ويصنع الأفران، مدفوعًا برغبة جنونية في التخلُّص مِن اليهود والقضاء عليهم.

ينظر التاريخ لهتلر نظرة ازدراء، اتفق الناس أو اختلفوا على جرائم أو أخطاء ارتكبها اليهود في ألمانيا، ساندوهم أو وقفوا ضد أفعالهم، رأوا أنهم سببًا في تحطيم الاقتصاد أو في احتكار بعض الأعمال والصناعات أو في تهميش الألمان من أصول غير يهودية أو حتى في التآمر بصورة أو أخرى على البلاد، يبقى اتفاق عام على بشاعة ما حلَّ بهم، ويبقى الهمُّ الإنساني قاسمًا مشتركًا يَجُّب ما عداه؛ إذ لا يُقِرّ البشر المتزنون رغبة الإبادة التي يملكها بعض المتعصبين مهما تصاعد العداءُ واحتدم الغليل.

تتكرر الرغبة في إبادة جماعة أو فئة بعينها من حين إلى حين، تختلف الوسائل والأساليب وتتباين الجماعات المستهدفة، كما تتنوع أسباب استهدافها؛ صراع عرقي ربما أو خصومة دينية، وفي عديد الأحوال خلاف سياسيّ. حاولت أنظمة استبدادية عديدة أن تبيد خصومها إبادة كاملة لا تقوم لهم بعدها قائمة؛ فعلتها بعض أنظمة شرق آسيا وبعض حكومات أمريكا اللاتينية وغيرها.

مَن يتتبع النهج الذي يتبناه نظامنا الحالي في تعامله مع معارضيه ومن بينهم بالتأكيد أعضاء جماعة الإخوان، يدرك أن ثمة إصرار على إزاحة كل صوت لا يغرد ضمن السرب مِن الساحة تمامًا؛ ماديًا ومعنويًا. مَن ينظر بعين الإنصاف للوقائع المتكررة بحق المعارضين، يدرك أن النظام يعتزم تحقيق الهدف ويعكف على صناعة أفران الغاز خاصته؛ أفران عصرية تلبي حاجته باقتدار.

الحديث ممتد وطويل عن حال السجون ونزلائها وعن أساليب التنكيل فيها، لا يمر يوم إلا ونقرأ استغاثة تأتي من هنا أو هناك؛ تطلقها أم أو ابنة أو أخت، مُستنجِدة بمن في قلوبهم بقايا رأفة، لائذة بمن في عقولهم نتفة من الحكمة، صارخة من حجم الإهمال والتكدس، ومن التعنت إزاء الزيارات ورفض إدخال الطعام وتجفيف سبل الإعاشة ومنع المعالجة والدواء والحرمان من أي رعاية طبية، حتى لتتجاوز المعاملة التي يلقاها المحتجزون أبشع الكوابيس. منهم من يلقى نحبه ومنهم من تتفاقم علله ويكاد الموت يرافقه لحظة بلحظة.

لا يتوقف الأمر على التنكيل بالمحتجزين، وبإصدار أحكام الإعدام عليهم جُملة في سابقة مريعة ستشكل صفحة سوداء من التاريخ، بل تمتد عملية الإبادة إلى الطلقاء منهم وتُحكِم الخناق حول رقابهم. أتابع منذ أشهر أو ما يزيد، قرارات الفصل من العمل التي تلحق من يثبت أنهم أعضاءٌ في الجماعة أو أن في عائلاتهم أعضاءً في الجماعة أو أن من أقربائهم أعضاءً أو متعاطفين مع الجماعة.

هؤلاء المطرودون من وظائفهم وأعمالهم يُراد بهم الجلوس في منازلهم وانتظار المجهول. قرارات الفصل غير مفهومة ولا مدروسة وربما طالت حتى الآن المئات، والأسباب والدوافع التي يُفصَل المرء بسببها من عمله لا تتوفر في كثير من الحالات، والمؤسف أن من رجال الدين القابعين على رؤوس المؤسسات الرسمية من يصفقون ويهللون ويباركون بل ويحفزون النظام على مزيد من التنكيل.

لا يطرح أحدهم سؤال: وماذا بعد التشريد وقطع الأرزاق؟ تعتريني دهشة وإن فاترة، كلما صادفت تصريحًا أو مقالا يطالب بتنقية جداول المهنيين سواء كانوا معلمين أو مهندسين، من كل مُنتمٍ إلى الجماعة، وكأنها تمثل العقبة الرئيسة أمام تحقيق التقدم في شتى المناحي، وكأن إزالة أثرها ستقودنا حتمًا إلى الرخاء والتقدم؛ لا أدري إن كان أصحاب هذه التصريحات والآراء يدركون أن الشارع أغلبه صار يتندر على إلصاق الموبقات كلها بالجماعة، وأن الناس يطلقون النكات حول اعتبار الإخوان سببًا أصيلا في انهيار قيمة العملة، وفي سقوط الطرق والجسور التي أنشأت في غمضة عين، بل وسببًا في القيظ الذي اصطلينا به على مدار الأيام الماضية؟ صرت أضحك ملء فمي كلما قرأت عن أهل الشر ومواسم الشر وأفاعيل الأشرار.

تابعت مؤخرًا قيام وزارة الداخلية بفصل طلاب من أكاديمية الشرطة، ثبت أن لهم أقرباء من جماعة الإخوان. لجأ الطلاب المفصولون للقانون ورفعوا قضايا ضد قرار الداخلية فأصدرت المحكمة الإدارية العليا أحكامها لصالحهم، لكن الداخلية عارضتها ودخلت صولات وجولات لردها. أخيرًا جاء حكمٌ نهائي بات بعودة طالب من هؤلاء إلى كليته، وذكرت الحيثيات أن تحريات الأمن الوطني لا تعدو أن تكون رأيًا لصاحبها يخضع لاحتمالات الصحة والبطلان. تحقق بهذه الحيثيات جزءٌ من العدالة المنشودة ويبقى التطبيق؛ فصدور الحكم أمر وتنفيذه أمر آخر.

على كل حال، لم تظهر جماعة الإخوان عرضًا ولا هي جماعة مُستحدَثة مُستجَدة على الساحة، بل أنها ثبتت دعائمها على الأرض منذ سنين طويلة واكتسبت شعبية واسعة لخدمات قدمتها وحلَّت بها مَحَلَّ الدولة التي فشلت في دعم الطبقات الفقيرة. سعت إلى السلطة ونالتها وارتكبت ما ارتكبت من أخطاء بعضها فادح مؤلم، وفقدت في مقابل مسلكها الأرعن أرضًا كبيرة، ولأن التاريخ يكتبه المنتصر دومًا فقد تحولت على يد النظام الحاكم إلى جماعة إرهابية، أي وُصِمَت بالتهمة التي تبيح في عرف عديد الناس انتهاك حقوق المتهم وتسويمه الذل والمهانة، بل وربما تخول للحاكمين القضاء عليه ومحوه من على وجه البسيطة.

. رغم وحشية من هم على شاكلة هتلر وبينوشيه، ورغم الإمعان في الغي والطغيان، لا يزال هناك ناجون من محارق هذا وجرائم ذاك، ولا يزال التاريخ يروي المآسي ويسرد ما وقع من بشاعات، ولا يزال القضاء الرشيد يحاسب من ارتكبوا أفعال الإبادة والاضطهاد حتى اليوم، وقد بلغوا مِن العمر أرذله ولم يبق لهم في الحياة الكثير.

Comments

comments

يمكنك ايضاً قراءة المزيد لنفس الكاتب

Comments

تحميل...