أحمد السيد النجار يكتب: الموازنة العامة للدولة والإحتيال غير البريء والأخطاء الساذجة (1)

0 1٬127
أحمد السيد النجار

 

 

نشر رئيس مجلس إدارة مؤسسة الأهرام السابق والخبير الإقتصادي الأستاذ أحمد السيد النجار عبر حسابه الشخصي علي موقع التواصل الإجتماعي فيسبوك مقالا مطولا تحت عنوان : “الموازنة العامة للدولة والإحتيال غير البريء والأخطاء الساذجة (1)” وإليكم نص المقال.. 

ينطوي مشروع الموازنة العامة للدولة للعام 2017/2018 على احتيال لم يسبق أن تعرض له الشعب والبرلمان في مصر ولم يسبق لأي وزير مالية أن جرؤ على القيام به من قبل.

والحكاية ببساطة أن الدستور يلزم الحكومة بتخصيص 6% من الناتج القومي الإجمالي على الأقل للإنفاق على التعليم الجامعي وقبل الجامعي، ويلزمها أيضا بإنفاق 3% على الأقل على الصحة، ويلزمها بإنفاق 1% على الأقل على البحث العلمي. وحصلت الحكومة على فترة سماح مدتها 3 أعوام للوصول إلى هذه النسب تنتهي بنهاية هذا الشهر، وبالتالي فهي ملزمة دستوريا بأن تنفذ ما جاء بالدستور بشأن نسب الإنفاق على الصحة والتعليم والبحث العلمي في الموازنة الجديدة وإلا تم إسقاطها بأي دعوى قضائية لمخالفتها للدستور.

ولأنها لا تريد ذلك ولا تضع التعليم والصحة والبحث العلمي في المكان الملائم في جدول أولوياتها، تفتق ذهن “جهابذة” وزارة المالية عن احتيال فج يعكس مستوى علمي وعملي شديد التدني واستخفاف مرزول بعقول البشر، وهو لا يختلف كثيرا عما فعله محافظ البنك المركزي الذي وعد بتخفيض سعر صرف الدولار ثم قال بعد أن تسبب في ارتفاعه بشكل صاعق أنه كان “بيهذر”.

وزارة المالية وضعت الإنفاق على خدمات مياه الشرب والصرف وهو إنفاق على المرافق العامة، ضمن الإنفاق العام على الصحة!! كما أدرجت حصة من فوائد خدمة الدين العام ضمن الإنفاق العام على الصحة، وهو ما لم يحدث في تاريخ الموازنة العامة للدولة من قبل. وبهذه الحسابات التلفيقية التي لا علاقة لها بالعلم ولا بقواعد وضع الموازنة وصلت الوزارة بقيمة “الإنفاق” العام على الصحة إلى 105,2 مليار جنيه تعادل وفقا للوزارة 3,1% من الناتج المحلي الإجمالي (مشروع الموازنة العامة للدولة 2017/2018 صـ 40) بما يتجاوز الحد الأدنى الذي حدده الدستور، وإن كانت الوزارة لم تفرق بين الناتج القومي والناتج المحلي (مش مهم).

“الطريف” أن الوزارة وقعت في خطأ جسيم في حساب النسبة رغم أن هذا الحساب لا يحتاج إلا لطالب في الابتدائية!! ففي صـ 16 من مشروع الموازنة تشير الوزارة إلى أن الناتج المحلي الإجمالي المتوقع للعام المالي 2017/2018 هو 4107 مليار جنيه. ولو حسبنا الإنفاق العام على الصحة حتى بعد تزييفه بالاحتيال المشار إليه آنفا (105,2 مليار جنيه) كنسبة من هذا الناتج فإن النسبة ستكون أقل من 2,6% وليس 3,1% التي أوردها مشروع الموازنة، يعني احتيال وانعدام كفاءة!!

أما الإنفاق الحقيقي على الصحة بدون كل الزيادات الوهمية التي أضيفت إليه فهو وارد في صفحة 97 من مشروع الموازنة العامة للدولة للعام 2017/2018 ويبلغ 54,9 مليار جنيه وهي تعادل 1,34% من الناتج المحلي الإجمالي المقدر للعام المالي المذكور بنحو 4107 مليار جنيه. وللعلم فإن مخصصات الإنفاق العام على الصحة في الموازنة العامة للدولة للعام المالي 2016/2017 بلغت قيمتها نحو 48,9 مليار جنيه وهي تعادل نحو 1,5% من الناتج المحلي الإجمالي.

وكان الإنفاق العام الفعلي على الصحة قد بلغ نحو 45,1 مليار جنيه تعادل نحو 2% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2015/2016، وبلغ نحو 37,2 مليار جنيه تعادل نحو 1,5% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2014/2015، وبلغ نحو 30,8 مليار جنيه تعادل نحو 1,5% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2013/2014، وبلغ نحو 26,1 مليار جنيه تعادل نحو 1,4% من الناتج المحلي الإجمالي في العام المالي 2012/2013. وهذا يعني بوضوح أن الإنفاق العام على الصحة كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي يتراجع بعيدا عما حدده الدستور وحتى عن السنوات السابقة بما فيها سنوات عصر الرئيس المخلوع مبارك، أو الرئيس المعزول مرسي!!

أما الإنفاق العام على التعليم الذي يعتبر من أهم الآليات التي يمكن توظيفها لتحقيق العدالة الاجتماعية عبر إتاحة الخدمات التعليمية العامة بصورة مجانية أو شبه مجانية للفقراء ومحدودي الدخل، فقد تم تطبيق نفس الاحتيال عليه بإدراج حصة من فوائد الدين العام على هذا الإنفاق ليصل مجموع الإنفاق العام على التعليم الجامعي وقبل الجامعي إلى 209,3 مليار جنيه (141,1 للتعليم قبل الجامعي، و 68,2 مليار جنيه للتعليم الجامعي) بما يعادل وفقا لحسابات الوزارة نحو 6,1% من الناتج المحلي الإجمالي (صـ 40 من مشروع الموازنة). ونفس الخطأ الجسيم الذي وقع في حساب نسبة الإنفاق على الصحة وقع هنا أيضا، فمبلغ الـ 209,3 مليار جنيه كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي المتوقع بقيمة 4107 مليار جنيه يعادل أقل من 5,1% من الناتج المحلي الإجمالي، وليس 6,1% كما ورد بمشروع الموازنة!!

أما الإنفاق الحقيقي على التعليم فإنه وارد في صـ 97 من مشروع الموازنة العامة للدولة للعام المالي 2017/2018 ويبلغ نحو 106,6 مليار جنيه تعادل 2,6% فقط من الناتج المحلي الإجمالي المقدر للعام المذكور، بما يعكس تراجعا مروعا في نسبة الإنفاق العام على التعليم بدلا من الارتفاع للاقتراب من النسبة التي يتطلبها الدستور.

وللعلم فإن الإنفاق العام على التعليم وفقا لنفس القواعد بلغ نحو 104 مليار جنيه مصري في العام المالي 2016/2017 بما يعادل 3,2% من الناتج المحلي الإجمالي المقدر للعام المالي نفسه، وكان قد بلغ نحو 96,6 مليار جنيه تعادل نحو 3,5% من الناتج المحلي الإجمالي الفعلي للعام المالي 2015/2016. وكان ذلك الإنفاق قد بلغ نحو 92,3 مليار جنيه في العام المالي 2014/2015، وهو يعادل نحو 3,8% من الناتج المحلي الإجمالي في العام المالي ذاته.

وفي العام المالي 2013/2014 بلغت قيمة الإنفاق العام على التعليم نحو 84,1 مليار جنيه تعادل 4% من الناتج المحلي الإجمالي في العام المالي المذكور. وفي العام المالي 2012/2013 بلغت قيمة الإنفاق العام على التعليم نحو 66,2 مليار جنيه كانت تعادل نحو 3,6% من الناتج المحلي الإجمالي في العام المذكور(جمعت وحسبت من: وزارة المالية، البيان المالي عن مشروع الموازنة العامة للدولة عن السنة المالية 2016/2017، صـ 60، 97).

ويمكن القول باختصار أن الحكومة تتراجع بالإنفاق العام على التعليم بقسوة وبجهل بقيمة التعليم وتدفع مصر للخلف وتغطي ذلك باحتيال غير برئ.

وكان تدني الإنفاق العام على التعليم والصحة من عهد مبارك، قد جاء في إطار إفساح الحكومة، المجال أمام سيطرة القطاع الخاص على “بيزنيس” التعليم والصحة في مصر. وذلك بعد أن تم تكريس صيغة رديئة للتعامل مع قطاعي التعليم والصحة بهذه الصورة، بدلا من اعتبارهما عنصرا أساسيا للتنمية البشرية لتنمية المعارف والقدرات العلمية في كل المجالات ولتحقيق التنوير والتحضر الاجتماعي والإنساني، ولإكساب خريجي النظام التعليمي مهارات الحياة وتأهيلهم لسوق العمل، وللحفاظ على الصحة العامة واحترام حق الفقراء والشرائح الدنيا من الطبقة الوسطى في الحصول على الرعاية الصحية والتعليمية سواء كان ذلك بالمجان أو بقيم رمزية.

لكن ما تقوم به الحكومة الحالية في هذا الشأن يتجاوز كل الرزايا التي فعلتها الحكومات السابقة. وهذان البندان المتعلقان بالإنفاق العالم على الصحة والتعليم كفيلان برفض وإسقاط الموازنة باحتيالها وأخطائها، لكنني سأتابع بعض البنود المهمة الأخرى في كتابات قادمة لتقديم الحقيقة للرأي العام والبرلمان ولكل من يهمه الأمر في هذا الوطن المنكوب بهذا الكم من الجهل والاحتيال وتجاهل اعتبارات العدالة الاجتماعية كأساس للاستقرار الاجتماعي-السياسي المبني على التراضي وليس على القمع الذي يمكنه أن يحقق استقرارا مؤقتا لكنه يعبئ احتقانات تنفجر بصورة مروعة بعد ذلك.

Comments

comments

يمكنك ايضاً قراءة المزيد لنفس الكاتب

Comments

تحميل...