الموقف المصري.. الانتخابات البريطانية: دروس من السياسي جيريمي كوربين

0 366

نشرت صفحة الموقع المصري عبر حسابها الرسمي علي موقع التواصل الإجتماعي فيسبوك تحقيقا هاما حول الإنتخابات البريطانية، تحت عنوان “الانتخابات البريطانية: دروس من السياسي جيريمي كوربين”.

وإليكم نص التحقيق:

النهاردة هتنعقد الانتخابات البرلمانية البريطانية، واللي بتشهد منافسة شرسة بين تريزا ماي رئيسة الوزراء الحالية عن حزب المحافظين، وجيريمي كوربين رئيس حزب العمال، اللي شكل صعوده السريع ظاهرة جديدة ومثيرة.

ومع إدراكنا الكامل بالاختلافات الهائلة في كل الظروف بين مصر وبريطانيا، لكن يظل النموذج يستحق إن المصريين، خاصة القوى السياسية، يعرفوا عنه، وناخد اللي يفيدنا حسب أوضاعنا.
*****

١- مين هو جيريمي كوربين؟

– عضو بالبرلمان منذ ١٩٨٣، عنده ٦٨ سنة.
– كوربين له تاريخ سياسي طويل من الانحيازات الواضحة، كان له مواقف ضد النظام العنصري السابق في جنوب إفريقيا (في الوقت إلي كانت رئيسة وزراء بريطانيا ثاتشر بتدعم النظام ده)، هو إيضاً داعم لفلسطين، وناشط ضد إنتشار الأسلحة النووية بالعالم.
– مهم جداً بتاريخ كوربين إنه كان معارض بمرجعيته اليسارية للسياسات الاقتصادية اليمينية اللي أدخلتها ثاتشر في الثمانينات، زي تخفيض إنفاق الدولة على بعض قطاعات الخدمات، خصخصة المرافق، الضغط ضد النقابات العمالية، سياسات ضريبية أكثر تساهلاً مع رجال الأعمال .. دي اللي اسمها “سياسات نيوليبرالية”، وأدت لتراجع مستوى معيشة الطبقات الأدنى في بريطانيا عبر السنوات خصوصاً بعد الأزمة الإقتصادية العالميه في ٢٠٠٨.
– جيريمي كوربين بقاله اكتر من ٤٠ سنة في بيشتغل سياسة في بلده، لا زهق ولا قال مفيش فايدة ولا الشعب مش فاهم أفكاري ولا دي نهاية العالم لو خسرت انتخابات.. بالعكس، أكثر من ٤٠ سنة من النشاط السياسي بين الناس وفي الحكومة والمعارضة بلا كلل ولا ملل! الدرس هنا: السياسة مشوار النفس الطويل، مش مهم مين بيحكم.. المهم مين بيصبر على الناس علشان يشرحلهم برنامجه الاقتصادي والسياسي.. ومين بيتفاعل مع النظام في بلده من موقع المعارضة أو انه يكون جزء من حكومة يحاول يغير سياستها.. النفس الطويل قادر على صنع المعجزات.. وهنعرف اكتر ازاي في السطور القادمة..
– السياسة مش بس بالشباب.. فيه ناس كبيرة في السن وبتعمل تغيير كبير في مجتمعاتها ودولها.. كونك شباب ومهتم بالسياسة في بلدك دا شيء عظيم.. لكن مش دي الضمانة الوحيدة انك تعمل تغيير.. فيه انحياز لقيم ومباديء ومشروع سياسي أقرب لمطالب الناس.. وفيه التزام بمجهود طوييل جدا وشغل لا يتوقف.. البركة دايما في الي بيشتغلوا وبينشطوا وبيكون نفسهم طويل، شباب كانوا أو عواجيز.. 🙂
*****

٢- امتى ظهر كوربين؟ إزاي فجأة بقى مشهور ومهم كده؟

– في ٢٠١٥ حزب العمال خسر الانتخابات العامة، فحصلت إنتخابات داخلية جديدة بالحزب.
– بعض النواب رشحوا كوربين بإنتخابات رئاسة الحزب إعتقاداً منهم إنه مجرد ممثل لليسار القديم بالحزب، وهيفيد بس باثراء النقاش أثناء الانتخابات. كانت فرصه معدومة.
– حصلت المفاجأة: كوربين فاز!
– سبب أساسي في فوز كوربين إن برنامجه وخطابه جذبوا عشرات آلاف من الأعضاء الجدد أغلبهم شباب للانضمام للحزب، لدرجة إن العضوية تجاوزت نص مليون، وأصبح العمال هو أكبر الأحزاب عضوية في أوروبا كلها.

ودي نقطة مهمة بنحلم نشوفها يوم في مصر رغم كل الظروف الأمنية والسياسية .. موجة ضخمة من الناس تمد ايدها للعمل السياسي وتشارك في أحزاب، وتدعم شخصيات سياسية تقتنع بيها.
*****

٣- هجوم كاسح ضد كوربين.

– تعرض كوربن لهجوم ضخم من الإعلام ومن حزب المحافظين، لدرجة تناول شخصه وملابسه المتواضعة.
– حزب العمال نفسه حصل فيه انقسام كبير، وقف ضد كوربين الحرس القديم اللي كانوا مع توني بلير، ومؤيدين سياساته اللي غيرت الحزب من حزب يساري لحزب وسط، وفي مقابلهم وقف اللي بيدعموا كوربين وشايفين إن الحزب لازم يعود لتوجهات يسارية، للاهتمام أكتر بالطبقة العاملة، وضبط الخلل الكبير في توزيع الثروة.
– بعد سنة من رئاسة كوربن وخروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبي نواب الحزب صوتوا بالأغلبية لإقالته، واستقالوا جماعياً من حكومة ظل الحزب، لكنه تمسك بمنصبه، وقال أنا هنا بارادة قاعدة الحزب الشعبية، وأعادوا الانتخابات في سبتمبر ٢٠١٦، وفاز للمرة الثانية بأغلبية ٦١%، بأكتر من ٣١٣ ألف صوت.
*****

٤- بريكزيت وصعود تريزا ماي

– في يونيو ٢٠١٦ صوت البريطانيون بأغلبية بسيطة لصالح الخروج من الاتحاد الاوروبي “بريكزيت”.
– اللي لسه مؤمنين بسياسات بلير في حزب العمال مكانوش شايفين ازاي ان الطبقه العامله سابت الحزب لتغير سياساته نحوهم، وبحثوا عن حل مع اليمين المتطرف المتمثل بحزب استقلال المملكة المتحدة UKIP للي قاد حملة بريكزيت، وكانت دعايته قائمه فقط على إن كل المشاكل الاقتصادية سببها المهاجرين اللي أخدوا وظائفكم.
– بعد مشاكل أظهرت ان الحزب ده معندوش برنامج ولا كفاءة، انتقلت أغلب قواعده إلى حزب المحافظين، وتريزا ماي استخدمت خطاب يميني بيوعد بتضييق الهجرة، واستغلت أيضاً ورقة الارهاب والأمن.
– تريزا ماي برضه اهتمت بمخاطبة الطبقه العاملة، وقالت إنه لازم يحصل تدخل للدوله ضد توحش رأس المال، لكن الشعارات دي لم تترجمها لسياسات.
– تيريزا ماي فجأة دعت لإنتخابات جديدة بهدف زيادة أغلبية حزبها بالبرلمان قبل بداية مفاوضات خروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبي، والاستطلاعات كانت بتقول إن حزب المحافظين متفوق على العمال ب٢٣٪،‏ وهي نسبة مهوله تضمن أغلبية كاسحة في البرلمان (التقديرات ان الفارق يتجاوز ١٠٠ عضو بدل ١٢ حاليا)
*****

٥- كوربين يتقدم لتحقيق المستحيل

– المفاجأة اللي حصلت في الأسابيع الي فاتت هي إن الاستطلاعات بقت بتقول إن الفارق تقلص من ٢٣ نقطة إلى ٧ نقاط، وبعض الاستطلاعات وصلت إلى ٣ نقاط فقط!
– السبب هو إن البريطانيين زي أغلب مواطني أوروبا كانوا حاسين إن مفيش فرق بين أحزاب اليمين واليسار القديمة، لكن الي عمله كوربين إنه قدم برنامج فيه فرق واضح جداً عن المحافظين، أهم ما فيه:
– ضخ ٣٠ مليار استرليني في نظام الصحة خلال خمس سنوات (المحافظين وعدوا بضخ ٨ مليار فقط).
– إلغاء مصاريف الجامعات للطلاب. (حالياً التعليم قبل الجامعي فقط مجاني، والبريطانيين كانوا دايما بيغيروا من ألمانيا اللي فيها الجامعات مجانية)
– إعادة ملكية الدولة لخطوط السكك الحديدية والبريد وخدمات المياه. (عكس الخصخصة اللي بدأتها ثاتشر)
– حقوق أكثر للعاملين، والغاء قانون كان يسمح للشركات بدفع أقل من الحد الأدنى للأجور، ورفع الحد الأدنى إلى١٠ إسترليني في الساعة بحلول ٢٠٢٠.
– دخول الدولة مره أخرى في قطاع الطاقه.
– بناء مليون بيت في خمس سنوات لمكافحة أزمة السكن.
– لتمويل المشاريع دي هيتم زيادة الضرائب على المواطنين اللي دخلهم فوق ٨٠ ألف سترليني سنوياً، ودول ٥% فقط من السكان .. كمان هتتم زيادة ضريبية محسوبة على الشركات بحيث لا تغير من تنافسية بريطانيا، وفرض ضريبة على التعاملات المالية، بالاضافة للتركيز على مكافحة التهرب الضريبي.
– إنشاء بنك وطني لتمويل إستثمارات في البنية التحتية والصناعة ودعم الطاقة المتجدده.
– برنامج الحزب فيه تفاصيل بالأرقام عن كلفة التعهدات ومخطط تمويلها، والأرقام دي بطبيعتها محل نقاش ونقد علني.
– كمان فيه تعهد مهم إن أي فلوس الحكومة هتاخدها قروض هيتم ضخها مباشرة في الإستثمار، ولن تكون لإدارة الأمور اليومية زي دفع مرتبات مثلاً.
– في السياسة الخارجية قال إنه سيعترف بدولة فلسطين، وسيوقف تصدير الأسلحة للسعودية بسبب قتل المدنيين في اليمن.
*****

لازم نتوقف هنا عند كذا نقطة:

أولاً:
– كوربين وافق على عمل موائمات داخل حزبه، وده ظهر في البرنامج بخصوص تجديد نظام الدفاع النووي البريطاني، كوربين كان عاوز يلغيه لكن لأن فيه معارضة قوية داخل الحزب ارتضى إنه يعمل تنازل.
– ممكن ناس تقول بحماس ده خان مبادئه، لكن الواقع ان في السياسة دايما وجهات نظر مختلفة، ولازم يبقى فيه حلول وسط، وقياس الثوابت والمتغيرات والمكاسب والخسائر. ده درس مهم للسياسيين المصريين.

ثانياً:
– كوربين بشكل واضح هيرفع الضرائب على الشرائح الأغنى، لتمويل الصحة والتعليم وغيرها للشرائح الوسطى والفقيرة، وده مستند لدراسات وأرقام.
– الخطاب “النيوليبرالي” العالمي بيصر إن أي انسحاب للدولة لصالح القطاع الخاص، وأي تخفيض ضريبي، سيؤدي لجذب الإستثمار، وبالتالي يزود فرص العمل لصالح كل الشعب، لكن المؤكد إن الوصفة دي في بريطانيا نفسها ده أدى لزيادة التفاوت بين الطبقات، وخلل توزيع الثروة، والناس حاسه حياتها أصعب.
فمابالنا في مصر بكل ظروفها السلبية، بجهاز اداري غير كفؤ، وفساد أعلى، ومحليات مُعطلة، وشفافية مختفية!
– مجلس النواب موخراً قرر تأجيل فرض ضرائب الأرباح الرأسمالية في البورصة ٣ سنوات، كمان نسبة الضرائب على الأفراد والشركات الأعلى دخلاً ٢٢٫٥٪ فقط، وهي نسبه ضئيلة جداً مقارنةً ببريطانيا اللي ضرائب الدخل تصل لـ ٤٥٪. مش بنقول تترفع للرقم ده لأن الظروف مختلفة، واتكلمنا سابقا عن تصور للعدالة الضريبية، لكن المؤكد انه مينفعش تتجاهل فرض ضرائب تصاعدية، وتؤخر ضريبة البورصة، وفي المقابل تحمل كل المصريين ضريبة القيمة المضافة، ليه الطبقات الوسطى والأفقر تتحمل العبء الأكبر؟ ثم ييجي الرئيس السيسي بعد كدة يشتكي إن الدولة مفهاش فلوس “أنا مش قادر اديك”.

ثالثاً:
– مهم إن الأحزاب والشخصيات السياسية تتكلم مع المواطنين، لازم نفهم الأول الناس مشاكلها إيه قبل ما نقرر إيه السياسات الأنسب. وكوربين قال جمله مهمة وهي إن القائد الحقيقي هو إلي بيستمع أكتر ما بيتكلم. أكيد مش بيقول للناس “متتكلموش في الموضوع ده تاني”.
*****

٦- هناك بارقة أمل في عالم أفضل

– مؤخراً كان اللي بيقدم البديل عالمياً للناس اللي بتشكو من السياسات “النيوليبرالية” هو الاتجاه لليمين، شفنا لوبان في فرنسا وترامب في أمريكا، لكن خلال السنوات دي ظهرت برضه محاولات جادة لتقديم بديل بيدعى لسياسات إقتصادية مختلفه وفي نفس الوقت لا يلوم المهاجرين، ويقف ضد أي محاولات تمييز أو عنصرية.
– شفنا ظهور بيرني ساندرز في أمريكا، وميلانشون في فرنسا، وحزب بوديموس في أسبانيا، وحزب الخضر في هولندا، وسيريزا في اليونان.
التجربة الوحيده الي نجحت للوصول للحكم هي حكومة سيريزا اليونانية، ولكن لأن اليونان موقفها كان ضعيف جداً بسبب ديونها، معرفتش حكومة سيريزا تواجه سياسات التقشف والخصخصه اللي اتفرضت من الاتحاد الأوروبي.
– هيكون إيجابي بنفس المسار لو كوربين نجح إنه يقلل أغلبية حزب المحافظين، أو البرلمان أصبح معلق بدون أغلبية، أو لو المعجزة تحصل ويكسب فعلاً هيكون زلزال سياسي في أوروبا والغرب عموماً.
لكن أيا كانت النتيجه، الي حصل هو نقطة تحول، إن حزب وشخص يستطيعوا في دولة عظمى إنهم ياخدوا هذا التأييد على أجندة مخالفه للتوجهات الاقتصادية والسياسية المستقرة.
دي لحظة تحول باتجاه مختلف، ولو استمرت تأثيرها قد يمتد للعالم كله مش أوروبا والغرب فقط.

– عارفين كويس اننا في بلد بتحصل فيها حالياً حملة أمنية قبضت على ٤٠ شاب أعضاء بأحزاب قانونية من بيوتهم، وأكيد فيه مليون فارق بين وضعنا ووضعهم، لكن حقنا نشوف ونتعلم… ونحلم.

– هنصبر وهنصبر.. نفسنا طويل.. هنكلم أهلنا وناسنا ونفهم مشاكل بلدنا وهنحافظ على ترابها وأرضها.. وقصاد كل شاب من ال ٤٠ الي اتحبسوا ظلم علشان بيدافعوا عن أرض مصر، هنصبر ٤٠ سنة واكتر وهنشتغل سياسة وهنشرح وجهات نظرنا وهنجتهد ان احنا نطرح حلول خلاقة لمشاكل بلدنا.. وهنغير مصر علشان أهلنا يعيشوا بكرامة ويلاقو فرص شغل محترمة ويتعلم ولادنا أحسن تعليم ويلاقو أفضل تأمين صحي.. همتكم معانا 🙂

المصدر-الموقف المصري

Comments

comments

يمكنك ايضاً قراءة المزيد لنفس الكاتب

Comments

تحميل...