هنا دير “صموئيل المعترف”.. ملاذ الفقير و”أفراد الداخلية”

0 363
كتبت- كارولين كامل

 

 

على بعد 22 كيلو متر من الطريق الرئيسي، وعند لافتة “دير الأنبا صموئيل”، يبدأ  طريق غير ممهد، يجبر الجميع على القيادة بحذر، عدا عربات الدفع الرباعي. تعصف الرمال فجأة فتتشوش الرؤية وتزداد صعوبة الطريق وتطول مدة السير، في المدق الذي بات معروفًا باسم “الأنبا صموئيل”.

عادة يجتاز زائرو الدير الواقع ضمن التقسيم الإداي لمركز العدوة بمحافظة المنيا هذه المسافة، في ساعة كاملة. كما تضطر السيارات لتهدئة سرعتها لاجتياز ملف ضيق يحتجب خلفه الدير عن الأنظار.

يعرف أهل المنطقة وزائروها أن بعد اجتياز عشرة كيلومترات من المدق، تنقطع شبكات الاتصال وينعزل الجميع، كالدير وسكانه.

هنا تحديدا، قتل مسلحون ٢٨ شخصًا كانوا في طريقهم إلى الدير صباح الجمعة. من لم يُقتل في هذه العملية، اضطر إلى السير مسافة كيلومتر بعد رحيل المسلحين، حتى يلتقط هاتفه إشارة شبكة الاتصال.

دماء وأحذية الضحايا في المدق المؤدي للدير

في منتصف المدق حيث وقع الهجوم، أحيطت دماء الضحايا التي جفت على الرمال بقوالب من الطوب الأبيض، وضعتها قوات الأمن. وعلى بعد أمتار في قلب الصحراء، تظهر عربة دفع رباعي متفحمة، قال شهود العيان إنها لمنفذي العملية، وعندما انغرست عجلاتها، تركوها وقاموا بحرقها. وعلى امتداد المسافة بين موضع عربات الضحايا ودمائهم، تناثرت فرد أحذية وصنادل رجالي بصورة عشوائية، ترسم مسار خطوات أصحابها الذين لم ينتبهوا لفقدان مداسهم، قبل أن يفقدوا حيواتهم.

«اللي عمل ده عارف المنطقة جغرافيا، واختار أكتر حتة وعرة في المدق.. وكمان عارف امتى الشبكات هتقطع.. كأنه دارس المنطقة كويس. وعشان مفيش شبكات اتصال، عرفنا من عربية زوار قالوا لنا الحقوا في حادثة كبيرة في نص المدق». يقول الراهب بولس الصموئيلي، أحد مسؤولي أمن دير الأنبا صموئيل لـ«مدى مصر».

يجلس الراهب بولس برفقة الراهب أنجيلوس الصموئيلي -كلاهما مسؤول عن أمن الدير- عند الباب لاستقبال الصحفيين أو الزوار. ورغم الهجوم الذي وقع أمس، غاب أفراد الشرطة عن محيط الدير. واكتفت قوات الأمن بإرسال مدرعة واحدة وبرفقتها عربتي شرطة بجوار لافتة الدير على أول الطريق، أما المدق نفسه حيث وقع الهجوم وصولا إلى الدير، فقد خليا من أي وجود أمني.

 يحمل الراهب بولس هاتفان لاسلكيان، هما وسيلاتا الاتصال داخل الدير. أحدهما يستخدم للاتصال بالأنبا باسيليوس رئيس الدير، والأخر للاتصال الداخلي بين الراهبان المسؤولان عن الأمن عند باب الدير، وزملائهم الرهبان في الداخل.

الأمن يحتمى بأسوار الدير

يتهامس الراهبان سويًا فيضحك الراهب أنجيلوس، بينما يصيح زميلة مشجعًا: «احكي يا أبونا متخافش.. دي حاجة الأمن نفسه عارفها». فيحكي الراهب أنجيلوس: «بعد فض رابعة مفيش أمن جه هنا، واحنا مطلبناش أصلًا، لكن فوجئنا بالليل بـ3 عربيات أمن مركزي داخلة على الدير، طلعنا برا نشوف في إيه. نزل الظابط فقولنا له احنا كويسين ومطلبناش الأمن، فقال لنا “لأ يا أبونا احنا مش جايين تأمين للدير، طريق بني مزار مقطوع من المتظاهرين، واحنا قوات فض شغب والعساكر معاهم عصيان بس مفيش سلاح، ومش هنقدر نطلع على الطريق ومفيش سولار معانا كمان. كلمنا غرفة العمليات قالوا لنا في دير جوه في الصحرا ادخلوا عندهم”. وفعلا القيادة اتصلت على الدير وقالوا لنا نبيتهم ونديهم سولار. إدينا أوامر للمطبخ يجهز لهم أكل وبزيادة».

ينظر الراهب أنجيلوس للأرض ويتوقف عن السرد، يلتقط طرف الحديث الراهب بولس: «أبونا أنجيلوس كان المسؤول يومها، وخاف يكون وسطيهم حد يبلغ بأي طريقة أو كان مبلغ عن مكانهم وييجوا يخلصوا عليهم في الدير، فسهر يراقب الكاميرات على باب الدير طول الليل لغاية ما يصحوا ويمشوا الصبح». قبل أن يضيف بأسف: «في عيد القيامة اللي فات (عقب هجمتي الأسكندرية وطنطا) مفكروش حتى يبعتوا عربية تطمن علينا».

تاريخ الدير

دير الأنبا صموئيل يعرف أيضا بدير «السيدة العذراء بجبل القلمون». وتوضح مخطوطات الدير أن منطقة القلمون عاش فيها جماعة من النساك والمتوحدين في النصف الثاني من القرن الثالث الميلادي. وتأسس الدير في القرن الرابع، وتم تعميره بالرهبان بناء على طلب البطريرك كيرلس عامود الدين عام 444 م، ولكن أغار عليه البربر في الفترة بين 450 و6355 م، وأخذوا الأنبا صموئيل نفسه أسيرًا لمدة ثلاثة أعوام. ثم أغار عليه العرب في الفترة بين 859 و880 م، كما توضح مخطوطة ساويرس ابن المقفع لتدوين سيرة الكنيسة من تاريخ البطاركة، وظل الدير بين التعمير والهجر، حتى استقرت به الرهبنة لوقتنا الحالي.

يقول الراهب بولس أول من وصل لموضع الهجوم من رهبان الدير: «يستقبل الدير العديد من الزوار خاصة من أقباط الصعيد، فهو من أهم المعالم التاريخية المسيحية.. لكن اللي حصل لنا ده متخيلتش ابدا يحصل وأشوفه. ليه يعملوا كده في ناس غلابة وأطفال جايين رحلة».

رغم الحادث الذي راح ضحيته عدد من العاملين في الدير، وسرادق العزاء المقام في عدد من القرى، إلا أن عمالاً حضروا في اليوم التالي للحادث لاستئناف عملهم.

رحلة رزق قطعها الموت

 

مزرعة الدير

 يوميًا، تتحرك عربات نصف نقل مغطاة بأقمشة، تتزاحم فيها أجساد عمال الدير من قرى الفشن ودير جرنوس ومغاغة وغيرها من المراكز والقرى الواقعة في محافظة المنيا وبالقرب منها. تهتز العربات بعنف طوال سيرها على المدق تحت شمس حارقة وقيظ طوال فترة الصيف، ورمال هائجة تترك الأعين دامية، وبرد قارص ورياح باردة تترك أثرها على مواسير المياه المتجمدة في الشتاء. هذه الرحلة التي اعتاد العمال من فقراء المسيحيين قطعها يوميًا طلبًا للرزق، انتهت أمس في منتصف المدق.

يقول الراهب بيمن مسؤول الزراعة في الدير: «الدير هنا بيشغل عشرات الأسر المسيحية في مختلف قطاعات الخدمة، وهما أسر من الطبقة الفقيرة اللي ملهاش سبيل تاني. متخيلة حالة الناس اللي وافقت تشتغل في الأجواء القاسية دي، يعني لا طريق ممهد ومفيش شبكات اتصال وبيتقطعوا عن أهاليهم بالساعات. حياة اختارناها احنا كرهبان وراضيين بيها. لكن الناس دي ظروفها بتجبرها على ده كمان».

ككثير من الأديرة المسيحية في صحراء الصعيد، يكتفي دير الأنبا صموئيل ذاتيًا في كافة الخدمات والاحتياجات. حيث يعتمد في توليد الكهرباء على مولدات خاصة، ولذلك تنقطع الكهرباء في العاشرة مساءً وتعود للعمل مرة أخرى في الثالثة صباحًا، بالتزامن مع بدء الرهبان ليومهم بصلاة التسبحة، قبل أن يتوجه كل منهم لقطاع عمله داخل الدير.

أما الزراعة، فيعتمد فيها رهبان الدير والعمال على مياه الآبار وتحليتها من خلال محطة تحلية خاصة بالدير. وينتج الدير الزيتون والبلح ويقوم بتصنيعهما ويُخبز العيش في فرن الدير. هذه القطاعات جميعها يعمل فيها عشرات العمال، ويزيد العدد في موسم الصيف بعد انتهاء الدراسة، وفي مواسم قطف المحصول حيث يوفر الدير العمل للشباب أيضا.

يقول الراهب بولس: «احنا نختار المسيح لما يخيرونا بينه وبين الموت. لكن حق الحياة ده هبة من ربنا، هو يقرر ياخده مش أي حد يقرر. عشان كدة الناس لازم تعرف أن المسيحية تحب الحياة. أنا راهب يعني غير مأسور للحياة ومتعتها، لكن مشاعري الإنسانية تجاه أهلي لا تموت، لأن الراهب بدون مشاعر هو ميت. عشان كدة كلنا اتصلنا نطمن أسرنا علينا، وده واحنا رهبان، بالك باللي عياله رايحين رحله وماتوا ومش راجعين تاني. المسيحيين لازم يعرفوا أن المسيحية توصينا بالاستعداد دوما للانتقال للسما، ولكن هذا الاستعداد مش معناه نكره الحياة».

المصدر-مدي مصر

Comments

comments

يمكنك ايضاً قراءة المزيد لنفس الكاتب

Comments

تحميل...